بعد فترة طويلة من التوقف عن كتابة ماوراء الطبيعة في عالم كرة القدم المصرية , أعادني الرعب الذي انتشر وتوغل في أعماق نفسي عندما ظهرت كائنات جديدة في المدرجات والملاعب وحتى الشوارع المصرية يُمكننا أن نطلق عليهم آكلي لحوم البشر , أو عبدة الشيطان .

نظراً للتوحش الذي ساد المجتمع الرياضي المصري والعراك والحراك الدائم بين كل مكونات لعبة كرة القدم في مصر بداية من الجماهير مروراً باللاعبين والمدربين وانتهاء بإدارات الأندية والإعلاميين الكبار , لم تكن كلمة ماوراء الطبيعة والحديث عن الرياضة بنكهة العالم المُظلم ذو العيون الحمراء شيئاً يثير الدهشة .

ما دفعني للكتابة مجدداً في هذه السلسلة التي خصصتها للأشياء الغير عادية في الرياضة , هو أنني لن أكون مضطراً لاستخدام استعارات أو تشبيهات كثيراً ولن أشعر بإرهاق عند تركيب الموسيقى الصاخبة والصراخ والعويل والأنين الأسود فوق الكلمات كعادة هذه السلسلة , فهذه المرة الأمر يختلف لأن هناك بالفعل دم ورعب وهلع وترويع .

نزالات وصراعات ودماء وتكسير عظام .. هكذا أصبحت ثقافة بعض الجماهير المصرية تحت مسميات ومصطلحات غريبة قادمة من بلاد " الجهل المدقع" في أوروبا وأمريكا اللاتينية , مثل "عقيدة" الأولترا وتعاليمها الخبيثة التي منها المصيبة الكبرى التي تدعى "الكورتينج" .

فجميعنا سعدنا كثيراً عندما رأينا ألتراس أهلاوي وألتراس زملكاوي وهم يملئون مدرجات القطبين الكبيرين ويشجعون طوال المباراة ويبثون الحماس الملتهب في نفوس لاعبيهم ويحثونهم دائماً على الفوز , ويساندوهم عند الهزيمة , سعدنا بتطوير التشجيع وتغيير ثقافة الذهاب للاستاد من أجل المشاهدة فقط .

ولكن كعادتنا لا نأخذ من الغرب الشيء الذي يناسبنا فقط , وإنما دائماً ما نأخذ كل شيء يعجبنا كاملاً دون تفكير أو تروي , فلم ترد هذه المجموعات الجماهيرية العملاقة التي أصبحت أشهر من اللاعبين أنفسهم في مصر أن تدوم الصورة الجميلة لهم ولطخو هذه اللوحة الجميلة لهم بالدماء وتكسير العظام .

ما أعنيه بالطبع هو "الكورتينج" الذي نظمته جماهير الزمالك , ولن أقول ألتراس زملكاوي لأنه لم يعلن مسئوليته عن هذه العملية - أشعر وكأنني أكتب عن إحدى العمليات الإنتحارية في الأراضي المحتلة ! - ولذلك لن أجزم بأن ما فعل ذلك هو ألتراس "وايت نايتس" كما يلقبون أنفسهم .

والكورتينج لمن لا يعرفه هو عبارة عن بلطجة من جماهير نادي في قلب موقع النادي الأخر ولا مانع من ضرب بعض جماهيره وأعضاءه وتحطيم منشآته إن أمكن , ولا مانع أيضاً من سحل أي من أفراد هذا النادي العدو حتى يكون عبرة لمن لايعتبر !

هذه الفئة من جماهير الزمالك التي أرادت أن تقتحم مقر النادي الأهلي بالجزيرة وبالفعل كان لها ما أرادت نظراً لخوف الأمن "الغلبان" من النيران والحجارة الكثيفة , ظنت أنها حققت انتصاراً عظيماً وبطولة جديدة ستضاف لدولاب ناديها بعد أن أكلت الأخضر واليابس في قلب الجزيرة معقل النادي الأهلي , وكأنهم آكلين لحوم البشر أو "زومبي" .

وبالتأكيد فإنهم بعد هذا النصر العظيم على الأعداء ذهبو للاحتفال وربما يكون هذا الاحتفال مطابق لنفس عقليتهم وعقيدتهم الغربية بأن يقوموا بشرب الخمر ويفعلو كل ما طاب لهم من فحش وتعدي على الأخريين وحرياتهم .

ولكن في ظل احتفالاتهم وحديثهم مع بعضهم البعض عن الإنجاز الكبير وضرب عدوهم في أرضه , كان الأخرين يجتمعون ويحضرون لرد الإعتداء بالمثل في قلب ميت عقبة مقر نادي الزمالك , ولم تفت ساعة واحدة حتى اجتمع الفريق الأخر وذهب لتحطيم نادي عدوه الأبيض والنيل منه , ولكن هذه المرة كان الأمر أصعب لوجود باب النادي الأبيض في شارع ضيّق ووجود متاجر كثيرة حول سور النادي , فضلاً عن تحسن حالة الأمن نسبياً في نادي الزمالك عن النادي الأهلي .

ولكن ألا يعلم هؤلاء من الجانبين أنهم بذلك يسيرون على نفس نهج عبدة الشيطان الذي يدمرون منتقديهم وأعدائهم بطريقة مماثلة تماماً , أو أنهم بهذه المعتقدات الغربية والتقليد الأعمى لجهل الغرب يكونون قد ضمنوا مقعداً في النار "إن كانوا يؤمنون!" .

لا أدري كيف تفكر هذه النوعية من البشر , إنها كرة قدم ورياضة وليس لأن في أمريكا اللاتينية وبعض الدول في أوروبا تحدث حروب شوارع بين الجماهير وقتل ودماء أن نقلدهم نحن في مصر لنكون بذلك متحضرون في التشجيع مثل الغرب ! , وتكتب جميع وسائل الإعلام العالمية والمحلية عنا !

لماذا لا يأخذ هؤلاء جماهير الدوري الإنجليزي قدوة لهم بدلاً من عصابات ومافيا الكورتينج والنيران والقتل والتكسير , لماذا دائماً نختار الشيء الذي يزيدنا سوءاً ونبعد عن الشيء الذي لو فعلناه لأصبحنا بالفعل ضمن العالم المتحضر بدل وجودنا في بلاد الدرجة الثالثة .

لن أكون محتاجاً لأستيعن بدلائل من القرآن الكريم والسنة والإنجيل تؤكد أن هؤلاء المخربون والمروعون لقلوب الآمنين بأفعالهم هذه يحجزون أماكنهم في النار ويكاد بعضهم أن يخرج عن دينه , وذلك لأن الجميع يعلم ذلك دون ذكر دلائل نقلية , ويكفي جداً الدلائل العقلية لإدانة هؤلاء .

القصة كلها تتلخص في أن هذه العقيدة"الهمجية" التي تروع المواطنيين وتحطم سياراتهم ومتاجرهم وتحرق أنديتهم لابد وأن تلقى مصيرها الذي خلقت من أجله وهي الإعدام نسياناً , وعلى هؤلاء الجماهير الطائشة أن تتقي ربها وتستخدم عقلها بدلاً من استخدام الغريزة الحيوانية في الترويع والقتل ورؤية الدماء , وتعلم أن ما بين لاعبي الأهلي والزمالك كل ود ومحبة وإحترام وعلاقات أسرية رائعة وطيبة , والكرة والبغضاء هو فقط موجود بين الجماهير والمتعصبين .

النادي الأهلي العظيم ونادي الزمالك العملاق لن يكونا يوماً في إحتياج إلى أمثال هؤلاء القتلة المروعيّن حتى يفوزو بالبطولات أو يفرضو سيطرتهم على الشارع المصري والإعلام , فكل نادي منهما لا تسمح مبادئه وتقاليده لأن يكون سبباً في الظلم والقهر , والتدمير والضرب الذي قد يسفر عن سقوط قتلى .

وأخيراً أود أن أبعث برسالة إلى هؤلاء من عبدة الشيطان و آكلي لحوم البشر وأنصحهم أن ينسحبو من المدرجات وكرة القدم المصرية برغبتهم , قبل أن تحرقهم نيران الغضب ويهلكهم الله بأنفسهم , أو أن يلقو مصيرهم في سجون مصر الحبيبة ويسمعون مباريات أنديتهم عبر أثير الإذاعة وهم ينحتون في الصخر , فأم الدنيا أبداً لن تكون مكاناً للهجمية وإراقة الدماء تطبيقاً لمعتقدات قادمة من .. بلاد الجهل .

 

* سلسلة مقالات " ماوراء الطبيعة " بقلم رئيس تحرير الموقع [email protected].

* جميع المقالات المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما هي تعبر فقط عن وجهة نظر الكاتب