أثناء تصفّحي لموقع التواصل الاجتماعي الشهير "فيس بوك" بالأمس، وجدّت على صفحتي الرئيسيّة ملخّص لمباراة مصر والبرازيل في كأس القارّات 2009 الّتي انتهت بهزيمة الفراعنة بأربعة أهداف مقابل ثلاثة بعد جدل كبير أثير عقب احتساب الانجليزي هاوارد ويب حكم المباراة لركلة جزاء ضد أحمد المحمّدي أحرز منها كاكا هدف الفوز للبرازيل في الوقت القاتل.

استرجاع ذكرى هذه المباراة ،الّتي يراها البعض من أجمل المباريات الّتي قدّمها منتخب مصر عبر تاريخه، نفض الغبار عن ذكرى أخرى ارتبطت بحوار مثير دار بين اثنين من أصدقائي أثناء اللقاء حول أحد أهم عناصر كرة القدم وهو الانتماء.

البداية كانت قبل المباراة، حيث أعلن "رامي" أنّه سيقوم بتشجيع المنتخب البرازيلي الّذي يعشقه منذ صغره. وأثار ذلك غضب "عماد" فسأله مستنكرًا "كيف تناصر فريق دولة أخرى وهو يواجه منتخب بلادك؟!"، فأخبره بهدوء شديد بأنّه لا يجد حرجًا في ذلك طالما أنّ الأمر يتعلّق بلعبة لن تقلّل أو تعزّز من قيمة البلاد مهما بلغت انتصارات الفريق القومي فيها. واستشهد على كلامه بالبرازيل الّتي تقدم كل يوم أحد نجوم الكرة العالميّة وتفوز بالألقاب واحدًا تلو الآخر وتعتبر المدرسة الكرويّة الأولى في العالم ورغم ذلك لا تزال دولة نامية يعيش جزء كبير من سكّانها في فقر مدقّع وانحلال أخلاقي واجتماعي رهيب.

احتدم الحوار بشدّة مع انطلاق المباراة وسط دهشتنا العارمة من سعادة رامي بأهداف البرازيل وتأثّر حالته النفسيّة سلبًا بهدف محمّد زيدان، فطالبه عماد بالتوقّف عن ذلك واحترام انتمائه لمصر وتشجيع بلده في ذلك المحفل العالمي، ولكنّه (رامي) شدّد على أنّ ما يفعله لا ينقص من قدر انتمائه للوطن الّذي يزخر بالعديد من المشكلات الأخرى الأكثر أهمية من الكرة كالفقر والبطالة وضعف التعليم وغياب الديمقراطية وغيرها. وأكّد له أنّ شقيقته تكره كرة القدم مثلها مثل العديد من المواطنين ولا تهتم بنتائج منتخب مصر أبدًا، بل وتتمنّى خسارته إذا حرمتها إحدى مبارياته من متابعة مسلسلها المفضّل "راجل وست ستّات"!.

انتهى الشوط الأول وجلس عماد يفكّر فيما قاله صديقه محاولًا أن يقلّل من درجة اقتناعه به، إلى أن قطع رامي صمته قائلا له "أنت تشجع المنتخب لأنك أهلاوي والمنتخب قوامه يتكوّن من لاعبي الأهلي. انتماؤك للفريق يعتمد بشكل كبير على ارتباطك بلاعبيه الحاليين وليس باسم المنتخب"، وقبل أن يفنّد الأوّل الادّعاء ذكّره عاشق السيليساو بيوم ذهب فيه (عماد) إلى إستاد القاهرة قبل ست سنوات لكي يشجع نادي ليل الفرنسي أمام منتخب مصر بسبب أنّ الأخير لم يضم وقتها أي لاعب من الفريق الأحمر!.

لم يستطع عماد الردّ ولكن كبرياءه منعه من الاستسلام أمام أدلّة صديقه الدّامغة على صحّة كلامه، وهنا جذب رامي أطراف الحديث مرة ثانية بإضافة مواقف أخرى تثبت وجهة نظره حيث أبرز حقيقة سعادة الزملكاوية الشديدة بسقوط الأهلي أمام أي منافس أجنبي ،سواء كان في دوري أبطال أفريقيا أو كأس العالم للأندية أو حتى في مباراة ودّية، والعكس.. وذلك رغم كون لاعبي الأهلي أو الزمالك يحملون الهويّة المصريّة وهم نفسهم من يتكون منهم منتخب مصر.

وبعد انقضاء الشوط الثاني الّذي شهد تفوق كبير من المنتخب المصري على نظيره البرازيلي ولكنّ الأخير أنهاه فائزًا بركلة الجزاء السابق ذكرها، خرج عماد في منتهى الأسى حزينًا على ضياع فوز كان في متناول اليد على فريق طيور الكناريا الأسطوري على حد تعبيره. وفي المقابل كان رامي يغنّي ويرقص على أغنية سامبا دي جانيرو الشّهيرة، ليشتبك معه صاحبه مطالبًا إيّاه بالتعلّم من الجماهير المصرية الّتي تواجدت في جنوب أفريقيا وشاهدها الجميع عبر التلفاز وهم يبكون من الفرح بعد هدف التعادل الثالث الّذي أحرزه محمّد زيدان، فعاجله رامي بالتأكيد على أن الانتماء الحقيقي للوطن يظهر في وقت الحروب والأزمات سواءً الداخليّة أو الخارجيّة وليس في الألعاب الرياضيّة، مشيرًا إلى أنّه لن يشعر بالانتماء الشديد لفريق مكوّن من مجموعة من الّلاعبين يقدّمون خدمة مدفوعة الثمن بالملايين، ولا يفعلون ذلك من أجل عيون الوطن فقط، كما هو حال الجنود في المعارك الحربيّة.

وأنت أيّها القارئ، أيهما أقنعك .. رامي أم عماد؟......رأيك يهمّنا.