يتملّكني الشعور بالحنق في كل مرّة أتحدّث فيها مع أي شخص حول المقياس الّذي تقاس به قيمة لاعبي كرة القدم، حيث أنّ هذا الموضوع دائمًا ما يشهد اختلافًا كبيرًا في وجهات النظر. وبطبْعي لا أميل مطلقًا إلى الاقتناع بشيء يبعد ولو بقدر ضئيل عن المنطق.

وفي الحقيقة أنا غير مقتنع أساسًا بأنّ هذا الأمر يخضع لوجهات النظر، لأنّ التّاريخ لا يتم كتابته حسب الأهواء أوالميول أو الانتماءات الشخصية. مصداقيّة هذا العِلْم تنبع من كونه يسجّل الأحداث بدون تدخّل أو تزييف ولا يمكن أن يطرأ عليه أي تغيير إلّا في أضيق الحدود، ونادرًا ما يحدث.

وبعد العديد من المناقشات والمشادّات بين أصحاب الرؤى المختلفة، خلصت إلى أنّ هناك عنصرين لا ثالث لهما تمّ الاصطلاح على اعتبارهما الفيصل في الحكم على قيمة لاعب الكرة ومدى الاستمراريّة الّتي سيتمتّع بها في سجلّات التّاريخ الخاص بالّلعبة الشعبيّة الأولى في العالم.

العنصر الأوّل هو تحقيق البطولات على المستوى الدولي.. فبالنظر سريعًا إلى أكثر الّلاعبين شهرة عبر تاريخ الكرة سنجد أنّ إديسون أرانتيس دي ناسيمنتو "بيليه" ودييجو أرماندو مارادونا هما الاسمان الأبرز، والسبب أنّ الأوّل فاز بثلاثة ألقاب لكأس العالم أمّا الثّاني فحقّق اللقب ذاته بمجهود فردي.

بيليه لم يلعب بقميص أي نادٍ في أوروبا وبالتّالي لم يسجّل أي مشاركة في دوري الأبطال أو في أحد الدوريات الأوروبيّة الكبرى سواء في إسبانيا أو إيطاليا أو إنجلترا أو ألمانيا، ومارادونا لم ينجح محلّيا إلّا في ثلاثة مواسم فقط من أصل سبعة مع نادي نابولي الإيطالي بينما كان الفشل مصير تجربتيه في الليجا الإسبانية مع ناديي برشلونة وسيفيليا على الترتيب.. بالطبع نجاح مارادونا مع نابولي لن يستهين به التّاريخ ولكن الهالة الإعلاميّة الكبيرة الّتي تتسلّط على الملك رقم 10 أينما ذهب لم تكن لتصبح موجودة من الأساس لولا مشهد رفع الكأس في الأزتيكا.

أيضًا لا يخفى على أحد أسماء من نوعيّة فرانس بيكنباور وميشيل بلاتيني وجارينشيا وبوبي شارلتون وليف ياشين وخوان شيافينو أصحاب الإنجازات الدوليّة مع منتخبات بلادهم في كأس العالم أو كأس أمم أوروبا، وذات الأمر ينطبق على جيرد مولر وماركو فان باستن ورونالدو وزيدان ورومينيجه ولوثار ماتياس وغيرهم من الأبطال.

ولعلّ وجود أسماء قدّمت الكثير مع أنديتها الأوروبيّة -ورغم ذلك اندثرت تحت تراب أقدام أصحاب الإنجازات الدوليّة- هو تأكيد على صحة الأمر، فأي متابع "جيّد" لا يعرف أنّ أسماء من نوعيّة جوزيه سانتا ماريا ومانويل بوينو وسانتيلانا وجارسيا ريمون صنعت التّاريخ لريال مدريد، وأنّ فيل نيل وسامي لي وجرايام سونيس وكيني دالجليش وأيان راش جلبوا المجد لليفربول، وأنّ كوبالا وكويني وجوليرمو أمور وماري باكيرو وتيكسيكي بيجرستان ساهموا بشكل كبير في الوضع الّذي وصل إليه برشلونة الآن، وأنّ ماريو كورسو وأرماندو بيتشي وجوليانو سارتي وألدو سيرينا ونيكولا بيرتي كانوا أبرز من رصّع قميص إنتر ميلان بالنجوم.

لاعبون كبار مثل روبرتو باتيجا واستيفان ايفنبرج وجيانلوكا فيالي وزفونمير بوبان واليكسندر زيكلر وديجان سافيتشفيتش لم يعد يتذّكرها أحد إلّا جماهير أنديتهم ونفس المصير ينتظر العديد من نظرائهم مثل مايكل بالاك وفرانك لامبارد وستيفن جيرارد وراؤول جونزاليس وريان جيجز بينما سيظل اسم لوكا توني خالدًا!

بالتأكيد سوف يظهر لهذه القاعدة بعض الشّواذ مثل فينيريك بوشكاش مثلاً وهذا أمر طبيعي، ولكن ثبوت وجودها هو شيء واضح لا يقبل الشك.

أمّا العنصر الثّاني الّذي يتحكم في كتابة تاريخ الّلاعب هو إنجازاته الفرديّة.. فبالرّغم من أنّ يوهان كرويف والفريدو دي ستيفانو ورايموند كوبا وإيزيبيو وجورج بيست ودينيس لو وجيان بيير بابان وروبرت باجيو ولويس فيجو وأندريه شيفشينكو وبافيل نيدفيد ومايكل أوين لم يحقّقوا أي بطولات على المستوى الدولي، إلا أن اقتناصهم لأحد جائزتي الفيفا أو الفرانس فوتبول لأحسن لاعب في العالم أدخلهم التّاريخ من أوسع أبوابه خاصة بعد فوز بعضهم باللقب لأكثر من مرة أو مرّتين.

وتمتلىء لوحة الشرف أيضًا بمن استطاع أن يجمع بين الألقاب الفردية والجماعية معًا حيث اعتاد الفيفا على أن يهدي جائزته -في العام الّذي تقام فيه كأس العالم- للّاعب الّذي ينجح في قيادة منتخب بلاده إلى الفوز بالبطولة الأغلى في التّاريخ .

القاعدة الثًانية شذّت عنها أيضًا بعض الاستثناءات مثل باولو مالديني الّذي لا أعتقد أن تُنْسى مواسمه ال25 مع فريق ميلان الإيطالي، ولكنّه بالطبع لن يكون بنفس شهرة فابيو كانافارو ولوران بلان بعد مرور السّنين.

هذان العنصران لابدّ أن تضعهما في اعتبارك قبل الدخول في جدال مع أي شخص حول قيمة الّلاعبين في عالم السّاحرة المستديرة، و أؤكّد بأنّه مهما جزم البعض بأنّ مستوى محمود عبد الرّازق "شيكابالا" هو الأفضل عبر تاريخ الكرة المصريّة، فلا يوجد مقارنة بينه ومحمّد أبو تريكة أو محمود الخطيب ذلك لأنّ الإنجازات الدوليّة والفرديّة ستبقى والمستوى المتميّز سوف يُنْسى أو بمعنى آخر "على نفسه".