شاءت الظروف أن أتواجد في شوارع القاهرة وقت إقامة مباراة مصر ضد النيجر في تصفيات كأس الأمم الأفريقية , وألا أتمكن من مشاهدة جزء كبير من المباراة وعلى الرغم من تضجري لعدم مشاهدة اللقاء المصيري إلا أن ذلك مكنني من رؤية الجانب الأخر للمصريين وهم الذين لا يهتمون بمشاهدة مباريات المنتخب المصري ويتجولون في شوارع القاهرة وقت المباراة .

فعند نزولي للشارع عقب نهاية الشوط الأول من المباراة بهزيمة المنتخب المصري بهدف نظيف جاء من خطأ ساذج من عبدالشافي الجناح الأيسر للفريق المصري , ورعونة كبيرة من الحارس الحضري في التصدي للكرة , رأيت كالعادة الشوارع شبه خالية ولكن بها أعداد قليلة من المصريين استغلو خلو الشوارع لقضاء مصالحهم .

ذهبت لاستقل وسيلة مواصلات عادية لأتمكن من إنجاز مهمتي سريعاً لعلي أصل قبل بداية الشوط الثاني في ظل خلو شوارع القاهرة وغياب الزحام والتكدس المروري الذي يُعد من سمات القاهرة الرئيسية , و بينما أنا جالس في المركبة التي يستعد قائدها للانطلاق لم يكن بها سوى سيدة متقدمة في العمر وسيدة أخرى تحمل طفلاً رضيعاً معها .

وبعد أن ركب قائد المركبة سيارته شرد خيالي وبدأت أحلم أن يصل سريعاً في 10 دقائق فقط لأتمكن من رؤية الشوط الثاني من المباراة , ولكن صوته الفج المزعج أيقظني من الحلم وهو يتسائل عن ثلاثة من الركاب غادرو السيارة قبل أن أحضر فردت عليه السيدة العجوز بأنهم ذهبوا لمشاهدة الشوط الثاني من المباراة .

فازدادت نبرة صوت هذا السائق حدة وبدأ يصب جام غضبه على المنتخب المصري ولاعبيه ويعطيهم حظهم من السباب والنقد اللاذع حيث أنهم يأكلون ما طاب لهم ومع ذلك يوقفون حاله هو وزملائه من السائقين وذلك بالطبع من وجهة نظره .

وخفف من غضبه وجعله يسير ويبدأ رحلته ركوب اثنين من الفلاحين المصريين يرتدون الجلابيب المصرية المعروفة والعمة والشال , وانطلق السائق أخيراً وبدأت استعيد حلمي في اللحاق بنصف ساعة من الشوط الثاني ولكن مرة أخرى أيقظني أحد الفلاحين بالسيارة وهو يخبر السائق مسروراً بأن المنتخب المصري مهزوم , ثم ضحك ضحكة سخرية مع السائق فيها الكثير من الشماتة , ثم استعاد السائق جزء من وطنيته قائلاً "ياربي ده حرام .. يعني هيبقى غلب ووقف حال كمان ,, ربنا يكرمهم ويكسبو طالما كدا كدا حالنا واقف ,, بس ارزقنا يارب " .

وتواصت الرحلة التي عطلها كثيراً إشارات المرور على الرغم من أن الشوارع ليس بها سيارات في الأساس , ثم انضمت للمركبة عائلة مكونة من رجلين وامرأتين وعدد كبير من الأطفال , وبالطبع تحدثو عن المباراة وبدأ أحدهم يمدح في الفكرة الرائعة لصديقه ويشكره على إقتراحه في النزول وقت المباراة حتى يصلو بيوتهم في 10 دقائق فقط , ثم رد الأخر عليه " بس بيقولو مصر خسرانة من نيجيريا ,, مع اننا كسبناها في كاس افريقيا اللي فات وقطعناهم " .

فرد عليه الفلاح الذي يبدو أنهم أكثرهم ثقافة كروية " يابيه دي النيجر مش نيجيريا بس شكلهم أقوى من نيجيريا عشان كسبانينا " و رفضت التدخل في هذا الحديث الكروي وأصحح معلوماتهم حتى لا يتهمونني في النهاية بأني "ماليش فيها" وأيضاً نظراً لإنشغالي بسماع المباراة في الراديو الخاص بالهاتف و حلمي في الوصول سريعاً ورؤية ولو ربع ساعة من الشوط الثاني لعلي أرى ثلاثة أهداف متتالية للمنتخب المصري في النهاية .

وأخيراً وصلت ونزلت إلى الشارع مستأنفاً رحلتي مجدداً , ومررت بجوار كورنيش النيل الذي كان المكان الوحيد المزدحم في شوارع في القاهرة حيث استغل "العشاق" انشغال الجميع بالمباراة وملئو جنبات كورنيش النيل والحدائق المجاورة له , وعندما مررت بجوار أحدهم لفت نظري مشهد غريب حيث جلس أحدهم مع صديقته متجاهلها تماماً ويسمك بيده هاتفه الذي يشاهد عليه المباراة وعلى وجهه كل ملامح الغضب لهزيمة مصر , وبالتأكيد شعرت بشيء من الحقد تجاهه ليس لأنه يجلس مع صديقته بالطبع , ولكن لأن هاتفه به تلفزيون وأنا هاتفي ليس به سوى راديو .

ثم قاومت رغبتي في الجلوس معهم ومشاهدة المتبقي من الشوط الثاني , واستأنفت رحلتي التي بدت طويلة على الرغم من أنها لم تستغرق نصف ساعة وأخيراً قبل أن أصل بدقائق قليلة وجدت مقهى كبير يكتظ بالمهتمين بمشاهدة المباراة متواجدين بكثافة كبيرة على عكس شوارع القاهرة تماماً , ولكني لم أسمع سوى سباب ولعنات تسقط فوق رؤوس لاعبي المنتخب المصري من هؤلاء , وشد انتباهي عبارة قالها رجل عجوز جلس في ركن بعيد في المقهي عندما قال بمنتهى الهدوء " يابني انتو زعلانين ليه عايزين تكسبو على طول !!!؟ ,, هو ده حال الدنيا " .

وبدأت اتنفس الصعداء عندما وصلت أخيراً إلى هدفي وانتهت رحلتي وفتحت التلفزيون وشاهدت العشر دقائق الأخيرة من الشوط الثاني والمباراة وظننت أن حظي جميلاً عندما سجل المنتخب هدفاً فور مشاهدتي للمباراة , وبدأت أحلم بالهدف الثاني لينتهي هذا الكابوس , ولكن كعادة هذا اليوم أيقظني حكم الراية بإلغاء الهدف واستمرار النتيجة "صفر واحد" .

وانتهت المباراة وانهزم بطل أفريقيا صفر واحد من فريق النيجر المجهول بعد أن تحولت شماتة "اللي مالهمش فيها" إلى حزن رهيب بعد أن جاء وقف حالهم بلا فائدة , وسخطات العشاق على كورنيش النيل وبالحدائق العامة على بعضهم البعض وظننت أن الشخص الذي كان يشاهد المباراة عبر هاتفه متجاهلاً صديقته سيتهمها بأن -وشها وحش- وربما ينفصلا بعد مشادة قوية تجري بينهما , والعائلة التي استغلت المباراة لتصل إلى بيتها سريعاً أفسدت الهزيمة سعادتها بالوصول في وقت قصير .

وإن كان أكثر الناس ارتياحاً هو ذلك العجوز الذي شاهد المباراة في المقهى ورضا بالهزيمة و بالأمر الواقع معتبراً أن هذه هي سنة الحياة وماطار طير وارتفع إلا كما طار وقع , وحكّم عقله أولاً حتى لا يحزن وبالطبع سيطرت انتصارات المنتخب على مدار 4 سنوات سابقة على أسارير نفسه .

أما أنا .. فأحزنني أكثر إحساس الهزيمة الذي سيطر على الشارع المصري , والحزن الذي ألقى بظلاله على المصريين الذين لن يجدو شيئاً يسعدهم إذا لم يتأهل منتخب حسن شحاته لنهائيات كأس الأمم الأفريقية المقبلة , أما المباراة وأسباب الهزيمة وفرص المنتخب المصري في التأهل التي مازالت قائمة وبقوة ! , فهذا حديث أخر ولكني أحتاج لمشاهدة المباراة كاملة حتى أعود للكتابة عنها في المرة المقبلة .