انتابني شعور بالفرحة الطاغية فور إعلان الفيفا لاسم قطر بصفتها الدولة المنظمة لنهائيات كأس العالم بعد 12 عام من الأن ، ولأني عربي شعرت بالفخر والكبرياء خاصة وأن المنافس الأقوى للملف القطري كان بطل العالم اقتصادياً وسياسياً وهو الخصم الأمريكي القوي.

لكن بعد أن هدأت الأمور وسكنت المشاعر وهنئنا الإخوة القطريين بالإنجاز التاريخي العظيم ، والذي فشلت مصر ببراعة في تحقيقه مع بداية الألفية الحالية ، بدأ عقلي يفكر .. لماذا فازت قطر بالتحديد رغم صغر حجمها وقلة مساحتها وبنيتها التحتية مقارنة بـ"قارتي" إستراليا وأمريكا؟ ، وكان السؤال الأهم الذي خطر ببالي ، هل للسياسة دخل في ذلك؟

في الحقيقة فكرت كثيراً قبل أن أقوم بكتابة هذا المقال حتى لا يفهم البعض بأنني أشعر بالغيرة من قطر لأنها نجحت فيما فشلت فيه مصر ، أو حتى لا يتهمنى البعض الأخر بأنني أخلط بين السياسة والرياضة وأتحدث عن أشياء من وحي الخيال ، ولكني قررت أن أشارككم فيما يدور برأسي حول الفيفا وقطر وإسرائيل!

أعترف أن الأمور كانت ربما تمر بشكل طبيعي لو لم يتم الزج برمز لإسرائيل في الملف الدعائي القطري المقدم للفيفا من أجل تنظيم مونديال 2022 ، خاصة وأن العالم أجمع يعرف أن إسرائيل هي العدو الأول للشعوب العربية رغم كل معاهدات السلام المبرمة بينها وبين الدول العربية.

ولكن أن يتواجد طفل إسرائيلي في الملخص المرئي الرئيسي الذي عرضته قطر على الفيفا فإن هذا يثير العديد من علامات الاستفهام والشكوك حول نية المعنيين بتحضير الملف القطري ، خاصة وأن الطفل الإسرائيلي أعلن عن دعمه للدولة العربية الشقيقة بلغته العبرية مؤكداً أنه يتمنى رؤية كأس العالم في الشرق الأوسط !

وإذا ما عقدنا مقارنة بسيطة بين أمريكا وقطر وإستراليا المرشحين لاستضافة البطولة فإننا نجد أنه بالرغم من الإمكانيات المادية الجبارة التي تمتلكها قطر إلا أن صغر الحجم والمساحة يمثلان عائقاً كبيراً حيث تبلغ كل مساحة قطر 11،521 كم مربع فقط ، ويعيش فوق هذه المساحة مليون و700 ألف نسمة فكيف يمكننا إضافة 2 مليون زائر في وقت المونديال على نفس المساحة مع العلم أنه في 2022 قد يكون عدد السكان في قطر قد وصل للضعف.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فتبلغ مساحتها 9628382 كم مربع ، وإستراليا 7686850 كم مربع ، وهنا يظهر الفارق الشاسع والرهيب فتعتبر كلا الدولتين بمثابة قارة وليست دولة بينما تعتبر قطر بمثابة ولاية صغيرة في إحدى الدولتين ورغم ذلك فإن قطر عرضت ملاعب عالمية سيجري إنشاءها لا يوجد لها مثيل في العالم ، كما أنها وعدت بحل مشكلة الحرارة الحارقة بتكييف الهواء في الاستادات وملاعب التدريب ، ولكن يستمر السؤال هل لاتملك أمريكا وإستراليا ذلك ؟

وإذا أقتنعنا أن الرؤوس تساوت بين أمريكا وقطر وإستراليا وخرجت الأخيرة من التصويت النهائي ، فما هي النقطة الإيجابية التي يمكنها تنحية الأمريكان وتنصيب القطريين كمنظمين للعُرس العالمي الكبير في عام 2022 ، فسبق الإشارة أن العالم أجمع يعرف مدى العداوة والكره من العرب لإسرائيل ، حسناً .. فماذا لو انتهى هذا الكره وهذه العداوة وصار الجميع إخوة ! بمباركة قطر ؟ بالتأكيد فإنها ستستحق المونديال من وجهة نظر الفيفا لأنها بذلك تكون وحدت الشعوب ، على عكس أمريكا التي لا يمكنها فعل ذلك.

رسالة قطر للفيفا وللعالم كانت أنها لا تعادي إسرائيل وأن الصهاينة يعتبرون أصدقاء ويتمنون لها كل خير ، وأنها على استعداد لاحتضان "الإخوة الإسرائيليين" في أرضيها إذا ما تأهلو للمونديال أو حتى إذا ما رغبو في مشاهدته فقط ، واستعانت بلسان عبري ليبرهن ذلك أمام العالم ، فكانت هذه نقطة حاسمة أضافت للملف القطري العملاق والمبهر وأنهت الصراع المحتدم بينه وبين الولايات المتحدة.

في الوقت نفسه جميعنا يعلم أن قطر تمتلك أكبر شبكة إعلامية في الشرق الأوسط حالياً وهي قنوات الجزيرة الإخبارية والرياضية والتي تربطها شراكة رسمية مع الفيفا منحتها حقوق المونديال الحصرية في المنطقة ، وجميعنا يعلم مدى قوة الجزيرة سياسياً وإقتصاديا ومدى تأثيرها ، وكذلك نعلم موقف الجزيرة من إسرائيل وموقفها من التطبيع .. إذن فالكلام انتهى!

وأخيراً .. وبالرغم من كل ما سبق فإني أتمنى أن تحافظ اللجنة المنظمة في قطر وقنوات الجزيرة على شعور أكثر من 300 مليون عربي بألا يفرضوا الواقع الإسرائيلي على الشاشات والإعلام العربي مرة أخرى ، كما أنه لابد في النهاية أن أشكر المغرب ومصر على تجاههم للكيان الصهيوني عند تقدمهم بملف تنظيم مونديال 2010 والتي فازت به جنوب أفريقيا.