أحلام وطموحات تبلغ عنان السماء ما لبثت أن تحولت في ليلة وضحاها إلى سراب وأوهام، ليسقط المصريون بآمالهم من سابع سماء إلى سابع أرض في كوماسي في صدمة لم يتوقعها أكثر المتشائمين.

تلك الصدمة التي جعلت واحداً مثلي شخصياً يبتعد عن الكلام والنقاش تماماً لمدة ثلاثة أيام متواصلة، فالشعور لم يكن فقط شعوراً بالخيبة والحزن قدر ما كان شعوراً بالخزي، فقد علقنا الناس البسطاء بالأحلام، وزرعنا فيهم الأمل بفرحة ولو كانت رياضية في ظل أزمات وأحزان مستمرة يعيشها المجتمع على مدى ثلاث سنوات متواصلة.

ولكن لأن الصمت لا يجب أن يدوم طويلاً - فبعد الصمت يحين الكلام، وبعد الكلام يأتي العمل - كان لزاماً عليَ عصر الليمون على نفسي والعودة مجدداً لأتابع وأناقش وأتفاعل.

وبعيداً عن الكلام عن المباراة وخطتها وتشكيلها، فإن ما رأيته من الكثير جداً من المصريين عقب الهزيمة  لا يتعدى كونه " هروب "، فقد حول الكثيرون نكستهم إلى نكات سخيفة مكررة يتداولونها على مواقع التواصل الاجتماعي خاصةً فيما يخص لقاء العودة بالقاهرة، فيما تهرب المسئولون من المسئولية وحملوها كاملة للجهاز الفني وخرجوا علينا بـ " ترشيحات " مدربين لقيادة الفراعنة وكأنهم بذلك " جابوا التايهة "، بينما ذهب البعض الآخر للهروب بأحلامهم مرة أخرى وإيهام الناس " ولو بدون قصد " بأن الأمل ما زال موجوداً وأن علينا مساندة الفريق في لقاء العودة، بينما كانت الصدمة الكبرى في هؤلاء الذين اخترعوا قصة تناول لاعبي غانا للمشنطات وأن الفيفا سيحكم لمصر بالصعود للمونديال.

وهنا كان لا بد من " المواجهة مع الواقع "، فأولى خطوات العلاج هو تشخيص المرض، وواقعنا يؤكد أن الكثير من المصريين أصيبوا بالـ" تبلد "، والبعض الآخر بداء " التشفي "، فيما يعاني المسئولون كالعادة من قلة الحيلة، فهم يعطون " مسكنات " لا أكثر ولا أقل باستبدال مدرب مكان الآخر، دون تقديم حلولاً جذرية، وهو ما سيعيد مشهد غانا من جديد بعد أربع سنوات مثلما تكرر من قبل مع السنغال وكوتديفوار والجزائر.

أيها السادة، بعيداً عن كل ما يدور على مواقع التواصل الاجتماعي، أو على صفحات الصحف والمواقع حول أسباب الهزيمة أو السخرية منها، فإذا كنا نريد بالفعل الارتقاء بمنظومة الكرة في مصر على أمل المنافسة على الصعود لمونديال 2018 " وعليكم خير "، فعلينا ألا ندفن رؤسنا في الرمال، وأن نتخذ " المواجهة مع الواقع " طريقاً في سبيل الوصول إلى حل حقيقي لأزمات الكرة المصرية، وأن نعمل من الآن على دراسة المشكلة وتقديم الحلول.

وأولى تلك المشاكل هي مشكلة 1) توقف النشاط الرياضي، فلا بد من عودة النشاط في أقرب وقت، فمدرب مثل برادلي ماذا كان بإمكانه أن يفعل أكثر مما فعل في ظل توقف النشاط ؟

فالرجل لم يكن لديه خامات ليختار منها سوى من الأهلي، الفريق الوحيد الجاهز حالياً، ولن يستطيع أي مدرب يأتي من بعده أن يقدم أي شىء دون عودة النشاط، لا تقنعني أن حسام حسن أو حسن شحاتة كان لديه العصا السحرية، فإذا كانت لديه، إذاً فلماذا رحل شحاتة ؟ ولماذا لم يصعد بنا إلى كأس العالم ؟ فالمشكلة أكبر بكثير من مشكلة مدرب مثلما يحاول أن يقنعنا المسئولون.

2) دوري المحترفين : لا بد من تطبيق دوري للمحترفين على غرار الدوريات العالمية حتى تشتد المنافسة وتفرز المسابقة لاعبين محليين ينافسون المحترفين على حجز مقاعد أساسية في المنتخبات المصرية بأعمارها المختلفة.

3) غياب الدعم عن الأندية : لا بد من تقديم الدعم للأندية الجماهيرية التي تعاني من الأزمات المالية، فانحصار المنافسة بين ناديين فقط أو احتكار المسابقات المحلية في أيدي نادٍ واحد لن يفرز عناصر تفيد الكرة المصرية، يكفي أن محمد أبو تريكة أفضل لاعب في العقد الأخير وأحد أفضل اللاعبين في تاريخ مصر خرج من نادي " الترسانة " ذلك النادي الجماهيري وقت أن كان يفرز نجوماً قبل أن يغوص في بحر الظلمات.

4) التعنت في فتح باب الاحتراف : فطالما ظلت الأندية المصرية تماطل في ترك لاعبيها وتبالغ في مطالبها المادية، فإن الكرة المصرية لن تتطور ولن تنصلح حالها، فالعالم كله يتحرك وإفريقيا كلها حتى أصغر وأفقر دولها تتطور ونحن نكتفي بالمشاهدة، ويكفي أن خروج لاعباً واحداً مثل محمد صلاح استطاع صنع الفارق مع المنتخب، فما بالنا إذ كان لدينا 40 أو 50 محمد صلاح كما هو الحال لن أقول في منتخبات غانا ونيجيريا، بل في منتخبات زامبيا وغينيا.

5) إهمال اكتشافات EParena.com : تلك القضية التي تبنيتها شخصياً ولا أزال، فوجود لاعبين يحملون الجنسية المصرية أو ذو أصول مصرية في أكبر الأندية العالمية دون علم، أو بعلم وتجاهل اتحاد الكرة يعد كارثة كبرى، حيث أن لاعبين بقيمة عبد الله ياسين ورامي ياسين غندور وغيرهم باستطاعتهم تكوين جيلاً رائعاً قادراً على الوصول بمصر إلى مصاف الدول الكبرى في عالم الساحرة المستديرة وهو ما يجب أن يتم الإعداد والتخطيط له من الآن.

تلك القضية تحتاج إلى دراسة وخطة مستقبلية يتم تطبيقها بحرفية ودقة شديدة، ويكفي أن أقول أن منتخب مثل بلجيكا أعد جيله " الذهبي " الحالي منذ عام 2002، ليصبح في عام 2013 واحداً من أقوى المنتخبات بالعالم. ولماذا نذهب بعيداً ؟ فمنتخب مثل غانا أو الجزائر، لم يصلا إلى ما وصلا إليه الآن إلا بسبب التخطيط والدراسة على مدى أعوام حتى أصبح لديهما هذا المنتخب المرعب بهذا الكم من المحترفين.

ومن جهتي فإن النقطتين 4 و5 هما شغلي الشاغل، لأني أعلم مدى تأثيرهما على تطوير الكرة المصرية، وأعمل عليهما منذ ما يقارب العام، وهناك تطور كبير بشأنهما وإن كان ما زال ليس على القدر الكافي، ولكني سأظل أعمل عليه بإذن الله.

6) أزمة الملاعب : توفير الملاعب وتطويرها من شأنه أن يفرز العديد من المواهب التي ستفيد الكرة المصرية، ولكن التطوير الحقيقي لتلك الملاعب وليس التطوير وقت الانتخابات فقط.

7) اتحاد محترف(م) ووزارة تراقب : فوجود اتحاد كرة قدم محترف محترم لا يبحث عن المصالح والبيزنس من شأنه أن يسعى للعمل على تطبيق كل ما مضى دون التفكير أولاً فيما سيستفيده أعضاء ذلك الاتحاد مقابل القيام بتلك المهام، وذلك لن يحدث إلى بوجود وزارة محترفة تقوم بمراقبة أعمال الاتحاد ومساءلته ومحاسبته.

8) غياب الإعلام الهادف : لا بد أن يقدم الإعلام نوعاً جديداً هادفاً يقوم على التوعية، لا على الإثارة وجذب الإعلانات، وهو ما من شأنه التأثير إيجابياً على عقليات اللاعبين وسلوكهم، ناهيك عن توعية المشاهدين وما ينتج عنه من قضاء على ظواهر سلبية دخيلة عليهم، بالإضافة إلى محاسبة المسئولين المقصرين.

ببساطة، هذه هي الحلول إذا أردنا أن نرى منتخبنا يقارع الكبار يوماً ما في كأس العالم، فهل نستمر في غفلتنا وسخريتنا من واقعنا، وفي استخدام المسكنات لنعيد إنتاج الصدمة من جديد بعد أربع سنوات ؟ أم نستعد من الآن للـ " مواجهة " ؟

للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك :

https://www.facebook.com/Waseem.Ahmed.Official.Page