اقترب مونديال البرازيل وكما هو معتاد مع كل منافسة رياضية كبرى يبدأ الحديث عن حقوق بث البطولة وأسعار الإشتراك وكيفية المشاهدة، ولكنها المرة الأولى التي سيضطر فيها المشاهد العربي لشراء جهاز استقبال ودفع قيمة إشتراك هي الأعلى في تاريخ القنوات الرياضية العربية من أجل مشاهدة مباريات البطولة بالتعليق العربي!

سعر الجهاز والإشتراك في مصر 2200 جنيها وإذا قررت شراء الجهاز ذو الإمكانيات الأعلى فسيصل السعر إلى 2700 جنيها، أي أنك ستكون مضطرا لتوفير 200 جنيه شهريا لمتابعة مباريات كرة القدم!

كل الكلمات الماضية هي مجرد معلومات، ولكن علينا أن نعرف كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد من "الجنون" بعدما كانت فكرة التشفير من الأساس مرفوضة من جانب القطاع الأكبر من المصريين.

البداية

بدأت قصة التشفير مع قنوات راديو وتلفزيون العرب ART السعودية ومالكها صالح كامل، وكانت بدايتها مع مشاركة منتخبي مصر والسعودية في كأس القارات 1999 بالمكسيك وكان عليك الإشتراك في تلك القنوات لمشاهدة البطولة.

تطورت الأمور وحصلت القنوات التي كان مقرها في إيطاليا قبل أن تنتقل إلى مصر على حقوق بث الكثير من البطولات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل الدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا ولم تغيب عن شاشتها بطولات كأس العالم حتى عام 2006.

ووصل أعلى سعر لإشتراك ART مع حصولها على حقوق بث كل البطولات تقريبا معادا الدوري الإسباني والإيطالي إلى 90 جنيه للإشتراك ربع السنوي، وهو ما أثار سخط الكثير من الناس في ذلك الوقت عن استغلال المشاهد من أجل متابعة مباريات كرة القدم التي كانت متاحة بشكل مجاني قبل عدة أشهر.

وفي ظل هذه الحالة ظهرت قناة جديدة روجت لفكرة أنها ستنهي إحتكار ART وتفتح المجال أمام المشاهدة المجانية لكل الشعوب العربية، وهي قناة الجزيرة الرياضية التي بدأت ببث الدوري الإسباني بشكل مجاني في عام 2003.

مع مرور الوقت لجأت القناة إلى تشفير باقتها وأدعت أن السبب في ذلك هو وصول بث قنواتها إلى مناطق في جنوب إسبانيا وهي مجبرة وتم إكراهها من جانب الاتحاد الإسباني لكرة القدم على التشفير ولكنها ومراعاة منها لظروف المشاهدين الفقراء ستطرح بطاقتها بسعر زهيد وهو 25 دولارا في العام أي ما يوازي 150 جنيه (بسعر الدولار في هذا الوقت) في العام.

ظلت المنافسة بين باقتي الجزيرة و ART وكانت الحقوق مقسمة بينهما، ففي الوقت الذي حصلت فيه الجزيرة على حقوق الدوري الإيطالي ودوري أبطال أوروبا، استطاعت ART أن تفوز بحقوق بث بطولتي كأس العالم 2010 و2014.

واضطر العرب لدفع قيمة الإشتراك التي تزيد عاما بعد عام في كل باقة، حتى جاءت الصفقة الكبرى واستحوذت الجزيرة الرياضية على قنوات ART الرياضية وحقوقها مقابل 2 مليار و750 مليون دولار!!!

عهد الجزيرة الرياضية

بدأ عهد جديد انفردت فيه الجزيرة الرياضية بالساحة ولم يكن ينقصها سوى حقوق الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي انتقل من قنوات شوتايم سبورت إلى أبوظبي الرياضية على مدار ست سنوات متتاليية.

واستطاعت الجزيرة الصيف الماضي أن تحسم المنافسة تماما وتستحوذ على حقوق الدوري الأقوى في العالم لتحصد كل المنافسات الرياضية والكروية التي ترغب في مشاهدتها، ولكنها في المقابل رفعت سعر الإشتراك إلى 1050 جنيها بعدما كانت بدايتها مقابل 150 جنيها فقط.

ظن الجميع أن القصة قد انتهت وأن أي شخص يستطيع مشاهدة كل البطولات مقابل بطاقة الجزيرة الرياضية وثمن الإشتراك، ولكن الخدعة لم تكتمل بعد!

تحولت باقة الجزيرة الرياضية إلى إسم جديد وهو Bein Sports للابتعاد بإسمها عن المشاحنات السياسية التي تصدر من قناتها الإخبارية ورغبة في الوصول إلى العالمية بعدما أنشأت قنوات بنفس الإسم في فرنسا والولايات المتحدة واندونيسيا.

وبعد تغيير إسم القناة حدث نفس السيناريو الإسباني ولكن هذه المرة مع الدوري الإنجليزي، حيث أكدت القناة أنها ستنقل مباراة واحدة عصر السبت بسبب العقوبات التي تعرضت لها من جانب رابطة الأندية الإنجليزية لأن بثها يصل إنجلترا والكثير من الناس أصبح يشتري بطاقتها لرخص ثمنها!

وأكدت القناة أن أي شخص عليه أن يشتري جهازها الخاص لربطه بالكارت وبهذا يتحول إلى النظام الأمن حتى يتمكن من مشاهدة قنوات HD ومتابعة البطولات بدون مشاكل، ولذلك عليك أن تدفع 430 أو 950 جنيها لتحصل على الجهاز المعتمد من Bein Sports.

ورغم أن القناة تعلم أن بثها يصل إلى إنجلترا ورغم أن دعايتها كانت قائمة على بث مباريات الدوري الإنجليزي بالكامل، إلا أنها لم تعتذر عن التغييرات التي حدثت في وسط الموسم ولم تحاول حتى تعويض المشتركين، بل أجبرتهم على ثمن الجهاز وسعر الإشتراك!

المشكلة بين القنوات القطرية ورابطة الأندية ما دخل المشاهد الذي دفع ثمن الإشتراك لمتابعة الأحداث التي قالت القنوات أنها ستوفرها له مقابل هذا المبلغ!

بدا واضحا وضوح الشمس أن القنوات القطرية تخطط للسيطرة على حقوق البث العالمية للبطولات الرياضية مهما كان الثمن، وهذا حق مشروع لها، ولكن أين مصر من كل هذا؟!

التلفزيون المصري ملوش دعوة

تمتلك مصر قناة رياضية واحدة هي النيل للرياضة، بدأت بثها بشكل قوي ونقلت كأس العالم 1998 بشكل إحترافي، قبل أن يرحل عنها نجومها للقنوات الخليجية، ثم بدأت تدريجيا تختفي من الساحة حتى أصبحت الأن مجرد استديوهات رديئة وموظفين على هيئة مذيعين.

منذ عامين حصل التلفزيون المصري على حقوق بث الدوري الإنجليزي الممتاز أرضيا بعد الإتفاق مع قنوات أبوظبي الرياضية التي كانت تملك الحقوق في ذلك الوقت، ولم يتم تسويق البطولة نهائيا بأي شكل من الأشكال لدرجة أن البطولة كانت تنقل مع إعلان وحيد لشركة مشروبات غازية!

لم يتحرك أي مسؤول مصري (أو حتى عربي) لحماية شعبه من استغلال القنوات المحتكرة للبطولات الرياضية في المنطقة، هل وقعت الدول العربية مثلا على ميثاق لبيع حقوق البث مجتمعة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ما الذي يمنع مصر أو أي دولة من الانفصال عن حقوق البث والحصول عليها بشكل منفرد داخل أراضيها، ما هو الحل للهروب من هذا الجنون والشروط والأسعار الغير مسبوقة من أجل مشاهدة المنافسات الرياضية؟

الحل؟ .. ألمانيا!

الوطن العربي مفكك بطبيعته (بعيدا عن الكلام السياسي المنمق وعبارات الغزل والغرام)، ولكنه سبحان الله قرر أن يتحد ويتجمع لتسرق جيوب مواطنيه، عندما تقوم قناة من القنوات بشراء حقوق بث لـ 300 مليون عربي مقابل مبلغ مالي معين، فبالتأكيد أنت تستطيع أن تشتري نفس الحقوق بسعر أقل لـ 90 مليون فقط وتعرض سعرا للإشتراك أقل.

لماذا يدفع المواطن المصري ثمن حصول أي قناة على حقوق البث في السعودية أو الجزائر؟، لماذا علينا أن نكون مجتمعين في هذا الأمر بينما نمتلك خيار الانفصال وتقليل الأسعار؟!

وردت إلي معلومات شبه مؤكدة أن هناك دعما كبيرا يصل إلى مليارات لقنوات أبوظبي الرياضية للدخول في منافسة إنتحارية مع Bein Sports في الأعوام القادمة، وسترتفع أسعار الإشتراكات إلى أضعاف السعر الحالي وربما تنقسم الحقوق مرة أخرى بين الباقات، والخاسر الوحيد هو المشاهد العربي الفقير.

التناحر الخليجي من أجل "الوجاهة" وكلمة "حصريا"، سيدفع أسعار الإشتراك في القنوات الرياضية إلى أرقام جنونية غير مسبوقة في السنوات القليلة القادمة.

وسط هذه الصراعات العربية والخليجية، قمت بعمل بحث صغير عن كيفية مشاهدة مواطنين دولة الإحتلال الصهيوني لمنافسات البطولات الرياضية، ووجدت أن كل الحقوق تصب في صالح التلفزيون الصهيوني بدون أي منافسة، وهو يعرض الدوري الإنجليزي والإسباني وكل المنافسات العالمية على قناتين رياضيتين على قمر AMOS بإشتراك زهيد.

هل تعلم أن الصهيوني الذي يبلغ متوسط دخله السنوي 25 ألف دولار يدفع أقل من نصف ما يدفعه المصري الذي يبلغ متوسط دخله السنوي 5000 دولار فقط، لمشاهدة نفس المحتوى؟!

نفس التجربة الصهيونية يقوم بها التلفزيون الألماني وقناته ZDF وهي قناة حكومية، حيث اشترت حقوق بث كأس العالم وستعرضه بالمجان لأنها تؤمن أن كرة القدم للفقراء وليست للأثرياء فقط على الرغم من مستوى المعيشة العالي في ألمانيا!

انفصلوا عن حقوق البث اللعينة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأنا أجزم أن هذه الخطوات ستتبعها خطوات مماثلة من دول مثل الجزائر والمغرب، لأن دول شمال أفريقيا هي الأكثر تضررا من هذا الجنون.

قدموا شيئا للفقراء مثل ZDF حتى ولو كانت من وجهة نظركم مجرد مجموعة من مباريات كرة القدم...

للتواصل مع كاتب المقال على فيسبوك

للتواصل مع كاتب المقال على تويتر