"إلى أي مجال ستتجه بعد الاعتزال؟ .. التدريب أم التحليل؟" سؤال اعتدنا على سماعه في السنوات الاخيرة من مقدمي البرامج الرياضية لأي لاعب كرة قدم قارب على الاعتزال، وكأن الاتجاه لأحد المجالين أصبح أمراً مقرراً عليه وهو الأمر الذي قد يفسد أحد المجالين.

منذ فترة طويلة، استوقفتني جملة لإمام الموهوبين ونجم الزمالك ومنتخب مصر السابق "حازم إمام" قالها خلال أحد المقابلات لبرنامج تليفزيوني وهي: "التحليل الرياضي مهنة من لامهنة له".

ظلت الجملة عالقة بذهني أفكر فيها .. كيف لشخص يمتهن مهنة يجني منها ربحاً جيداً ( مادياً ومعنوياً ) وينعتها بهذه الصفة، ولكني علمت أنه قد جانبه الصواب فيما قال حينما شاهدت المدافع الدولي السابق "وائل جمعة" بعد الاعتزال وتجربته الفاشلة كمدير كرة مع النادي الأهلي جالساً لتحليل أحد مباريات فريق برشلونة بالدوري الإسباني عبر قنوات beIN sports يخطيء في نطق اسم لاعب ويجهل مركز آخر ولا يعلم طريقة وأسلوب لعب الفريق المنافس للبارسا .

تجربة جمعة في التحليل الرياضي ليست جديدة، فهناك تجارب عديدة غير موفقة لنجوم سابقين لمعوا كلاعبين ولكنهم فشلوا في تحقيق نفس النجومية في هذا المجال خاصة عند القيام بتحليل مباريات أوروبية أو عالمية وأبرزهم في السنوات القليلة الأخيرة الثنائي محمد أبو تريكة و سيد معوض بخلاف التجارب المحلية في القنوات المصرية وما أكثرها وأسوأها!

ولأن المحلل الرياضي لمباريات كرة القدم أصبح كالمعلق أمراً لاغنى عنه فتساءلت : "ما هي مقومات محلل المباريات الناجح ؟" وما هي الشروط الواجب توافرها به ؟.. وبعد تفكير ومتابعة للعديد من المحللين والقنوات الرياضية العربية والعالمية وإنصات لآراء المشاهدين، توصلت لعدة شروط لابد أن تتوافر في المحلل الرياضي الناجح ألا وهي:

أولاً: الموهبة

هي أساس النجاح في أي مجال .. حيث أنها منحة إلاهية تؤهل الإنسان للتميز تلقائياً بشرط استخدامها في موقعها السليم، والدليل أن هناك الكثير من المحللين الرياضيين الناجحين لم يمارسوا كرة القدم بشكل محترف طوال حياتهم، وعلى رأسهم خالد بيومي المحلل الرياضي المصري الأشهر حالياً والذي اكتفى بالعمل الصحفي في صحف إيطالية شهيرة كلاجازيتا ديلو سبورت، وبمناصب إدارية رياضية في كل من النادي الاسماعيلي واتحاد الكرة.

ثانياً.. اللباقة

المحلل الرياضي يتحدث إلى ملايين من الناس، وهو ما يعني أنه لابد أن يتحلى بأقصى درجات اللباقة في الحديث .. لابد للمحلل أن يُشعرك أنه قريباً منك بأسلوبه الاجتماعي السهل وسرده البسيط وشرحه الميسر لمختلف الأمور سواء الفنية أو الإدارية التي حدثت في الملعب دون "تلعثم" أو "إي إي إي".

وفي نفس الإطار .. فإن "التفلسف" ليس ضرورة من أجل إيصال المعلومة أو الرأي، بل على على العكس قد يكون ذلك طريقاً لنفور المُتلقي من المحلل .. "مخاطبة الناس على قدر عقولهم" واستخدام أسلوب "السهل الممتنع" هي الطريقة المثلى لإيصال المعلومة فأغلب المشاهدين غير متخصصين.

ثالثاً.. اللغة

أمر ضروري للغاية بالنسبة للمحل إجادته للغة الإنجليزية كلغة ثانية على الأقل بخلاف العربية، من أجل النطق الصحيح للأسماء، ومحاولة تثقيف النفس والتوصل للجديد عبر الانترنت والمواقع الرياضية العالمية، والدليل على دور اللغة هو أن المحللين الرياضيين من دول المغرب العربي هم الأكثر نجاحاً في هذا المجال لإجادتهم الكثير من اللغات.
 
رابعاً.. التجارب والنجاح

تجارب المحلل السابقة من الأمور الضرورية سواء كان لاعباً، مدرباً، إدارياً، ناقداً رياضياً أو حتى مجرد دارساً لفنيات كرة القدم، فهي الرصيد الأول الذي يقدم نفسه به للمشاهد .. وأن يكون قد نجح من قبل في تجاربه سواء في المستطيل الأخضر أو من خارجه أمر هام للغاية، فمن غير المعقول أن يصدق المشاهد شخصاً فشل في تطبيق ما ينصح به. 

خامساً.. السلوك

كونك محللاً رياضياً يعني بالضرورة أنك ستكون شخصية عامة، والشخصية العامة لابد أن تكون قدوة للجميع في كل شيء وبالأخص السلوك .. كما أنه أيضاً بالمثل في النقطة السابقة، فلن يتقبل المشاهد نقداً من المحلل لسلوك سيء إذا كان متخصصاً في إثارة المشاكل من قبل.

سادساً.. الثقافة الكروية

المتابعة المستمرة والدورية، والإلمام بكل ما هو جديد (مشاهدة المباريات الهامة في مختلف أنحاء العالم، متابعة الأخبار أولاً بأول، الإلمام بالقوانين خاصة إذا حدث تعديلاً) أمر هام أيضاً لأن هذا هو أساس المهنة، كما أن كل ذلك يعطيه مجالاً ومساحة للتحدث باستفاضة وضرب أمثلة في مواقف معينة للاستفادة. 

سابعاً.. الدراسة

الدراسة هنا تشمل أمرين: أولاً دراسة رياضية لطرق اللعب والأساليب المتطورة والمتغيرة باستمرار للمدربين في إدارة المباريات في الجوانب الفنية والبدنية والنفسية، وثانياً دراسة إعلامية لكيفية مخاطبة المشاهدين .. والدراسة ليست صعبة فقد تكون بقراءة كتاب مفيد أو بالاطلاع على بعض المقالات الهامة في هذا الشأن سواء بالصحف أو على الانترنت.

ثامناً.. الحياد

الانتماء لنادٍ معين وتشجيعه شيء طبيعي ومنطقي في كرة القدم، ولكن على المحلل الناجح أن يُنحي انتماءه جانباً حينما يتحدث للمشاهد بحيث عليه أن يتبعد عن المحاباة لناديه، وألا يتغاضى عن ذكر سلبيات النادي أو مدربه أو أن يغض الطرف عن انتقاد سلوك لاعب معين حتى لا يفقد مصداقيته لدى المشاهد .. كما يفضل عدم عمل المحلل في أي نادٍ تجنباً لـ "تضارب المصالح".

تاسعاً.. التواصل

معرفة رأي المتلقي أمر هام أيضاً فأنت في النهاية تخرج لتحدثه هو .. وسماع رأيه في الإيجابيات أو السلبيات شيء مهم من أجل التطور المستمر للأفضل.

والتواصل قد يتم بصفة شخصية مع المقربين أو عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي التي أستطيع أن أجزم أن هناك بعض المحللين المصريين لا يعلمون شيئاً عنها ويرددون "كالببغاوات" سلبياتها فقط.

أخيراً.. بالتأكيد نجومية اللاعب المعتزل ورصيده لدى الجماهير قد تكون طريقاً لنجاحه في هذا المجال، ولكن على الجانب الآخر فقد ينفذ هذا الرصيد إذا تم الاعتماد عليه فقط دون الجد والاجتهاد وقبل ذلك الإنصات لصوت العقل، فعلى اللاعب المعتزل اختيار المجال الأقرب للنجاح فيه، وهناك بالفعل العديد من الأمثلة الناجحة لنجوم تركوا كرة القدم نهائياً بعد الاعتزال وحققوا نجاحاً مبهراً في مجالات أخرى.

بعد القراءة .. يمكنك الآن مناقشة الكاتب في هذه الشروط، وإبداء رأيك في المحلل الأفضل العربيا من خلال:

فيس بوك من هنا .. أو تويتر من هنا