"الواسطة" أو "الكوسة" مصطلحات تعودنا على سماعها في مجالات كثيرة، ولكن الجديد كان وصولها وتوغلها بكرة القدم المصرية، وفي قطاعات الناشئين بالأندية خاصةً الكبيرة منها، وهو ما أدى بالتبعية إلى وهن كبير في مستوى جميع منتخبات الناشئين المصرية والتي اقترن اسمها بالفشل، وخرجت من كل المنافسات والتصفيات التي خاضتها في السنوات القليلة الأخيرة.

موقفان راقبتهما مؤخراً أدركت بعدهما أن الأمر أصبح بالفعل لا يجب السكوت عنه، أولهما كان إقالة أشرف قاسم من منصب رئيس قطاع الناشئين بالزمالك رغم إشادة الجميع بما فعله بالقطاع وذلك بعد رفضه قيد مجموعة معينة من اللاعبين الناشئين وعدم تنفيذ أوامر من رئيس النادي وكلهم طبعاً "وسايط".

أما الموقف الآخر فكان لنجم الأهلي السابق محمد عمارة الذي شاهدته في برنامج "برا الملعب" على قناة الأهلي يتحدث عن نجله حيث قال: "كلمت له أصحابي المدربين في قطاع الناشئين بالنادي الاهلي علشان يلعب في القطاع، ولكن الولد عاوز يبدأ المشوار بنفسه".

توريث كروي !!

في الأهلي وخلال آخر عامين فقط، فشل إيهاب نجل نجم ظهير الفريق السابق ياسر ريان في إثبات نفسه ورحل من قطاع الناشئين، كما فشل عادل نجل الفنان مجدي كامل ومهاجم فريق الشباب في إثبات نفسه بالقطاع ونيل ثقة الجهاز الفني للفريق الأول.

كما يتواجد العديد من أبناء النجوم السابقين في المراحل العمرية المختلفة، فنجد يوسف نجل هادي خشبة وهو من مواليد 1997، وفابيو نجل هاني رمزي وهو من مواليد 2001، بينما الأكثر غرابة هو تواجد كل من مصطفى نجل الإعلامي الشهير أحمد شوبير ومحمد نجل مدرب حراس المرمى بالفريق الأول طارق سليمان كحارسي لفريق مواليد 2000!!!

وفي الزمالك فشل مؤخراً عمر إسماعيلي يوسف في إثبات نفسه مع الفريق الأول بعد التصعيد، وهو نفس الحال بالنسبة لكل من أحمد ومحمد نجلي أيمن منصور مهاجم الفريق السابق، بينما يتواجد حاليا أحمد نجل حارس الفريق السابق نادر السيد حماية عرين فريق مواليد 2003!!

وفي الأندية الاخرى، الأمر منتشر أيضاً فهناك يوسف أسامه نبيه في إنبي، وعلاء عاطف عبد العزيز في الاسماعيلي، ومروان أحمد ساري في الاتحاد ومحمد شوقي غريب الذي يحاول والده أن يكون معه في أي فريق يذهب إليه، وغيرهم الكثير والكثير والكثير.

الواسطة بتلعب دورها

الطامة الكبرى الآن في مصر، أن الأمر لم يعد يقتصر فقط على أبناء اللاعبين السابقين أو نجوم الفن والمشاهير، بل بعيني رأيت في اختبارات الناشئين بأحد أندية الأقاليم "كروت توصية" من اللواء "فلان" والمستشار "علان"، ونجح حاملوا الكروت بالفعل في الاختبارات دون أية موهبة.

كما أن الواسطة في كرة القدم المصرية امتدت لتشمل التحكيم أيضاً، فنجد الآن ياسر عبد الرؤوف عبد العزيز، وسمير محمود عثمان، وأحمد حسام طه، ومحمود أحمد أبو الرجال، وخالد جمال الغندور، وأحمد الغندور، وأمين محمد عمر، وكلهم أبناء وأقارب حكام ونجوم سابقين وكلهم اقترنوا بمشاكل وأخطاء كبيرة في الفترة الماضية.

التجربة الألمانية

كعادتنا نسير على نهج فاشل خاص بنا، ولا نحاول أن نلتفت لمن سبقونا في أي مجال، ففي كل الدول المتقدة كروياً الاهتمام باللاعبين الناشئين والشباب يفوق بكثير الاهتمام بلاعبي الفريق الأول، فكل شيء هناك محسوب ومدروس، مدربين من الطراز الأول، اختبارات على أعلى مستوى أنظمة فنية وغذائية وحياتية يتم تنفيذها بالحرف، أما هنا فالواسطة تتحكم.

إنجازات منتخب مصر الأول والتي تحققت في الفترة من 2006 وحتى 2010 كان وراءها منتخبات ناشئين قوية أخرجت جيلاً من اللاعبين حقق ما لم يحققه سابقوه، ولكن ما حدث كان كعادتنا "بالصدفة"، أما في أوروبا فأي نجاح يتحقق إذا بحثت خلفه ستجد قصة طويلة من النجاح، وُضعت قبله بسنوات وتم تنفيذها بحذافيرها من أجل الوصول للهدف.

وهنا سأتحدث عن فوز ألمانيا بلقب كأس العالم 2014 الذي أقيم في البرازيل بعد عروض مبهرة ونتائج مذهلة كان أبرزها اكتساح نجوم السامبا بسباعية في نصف النهائي.

فوز ألمانيا بالمونديال لم يكن وليد الصدفة، بل بدأ التخطيط له قبلها بـ 8 سنوات تقريباً، وتحديداً في عام 2006، حينما تولى المدافع العظيم ماتياس زامر منصب المدير الفني للاتحاد الالماني لكرة القدم.

فور توليه المسؤولية، عقد زامر عدة اجتماعات مع يواخيم لوف المدير الفني للمنتخب الألماني والذي أعطى تعليمات بضرورة الاهتمام باللاعبين الناشئين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 11 و 18 عاماً، حيث سيكون أعمارهم في المونديال ما بين 19 و 26 عاماً وهو متوسط العمر المثالي للعطاء.

بالفعل قام زامر بعمل هائل بتنقية وإعداد الاجيال الشابة في ألمانيا، فوجدنا في قائمة الـ 23 للمانشافت التي شاركت بمونديال 2014، 15 لاعباً من الأجيال التي عمل عليها زامر، وضمت تشكيلة الماكينات في المباراة النهائية  6 لاعبين منهم هم: هوميلز، بواتينج، هويديس، مولر، كروس، وأوزيل بالإضافة لمشاركة شورله وجوتزة كبدلاء والأخير جاء به زامر من أكاديمية نادي بوروسيا دورتموند لمنتخب ناشئي ألمانيا ليثبت اللاعب موهبته إلى أن يصل به الحال لتسجيل هدف فوز الألمان بالمونديال.

جرس إنذار

انتبهوا.. كرة القدم ليست مهنة كالطب أو الصيدلة أو الهندسة أو حتى البيزنس تستطيع توريثها لنجلك، بل تعتمد في الأساس على المواهب والسمات الفنية والشخصية للفرد، فالموهوب يفرض نفسه دون مساعدة أحد، والمثال واضح في كل من حازم حماده إمام وشريف إكرامي وكل منهما بدأ مسيرته دون علم والده واستطاع إثبات نفسه بموهبته وجهده.

أخيراً .. في 2007 قال كريم عبد العزيز جملته الشهيرة في فيلم خارج عن القانون: "في البلد اللي احنا عايشين فيها دي، ابن الدكتور بيطلع دكتور، وابن المهندي بيطلع مهندس" .. ولو قال نفس الجملة في 2016 لزاد عليها "وابن لاعب الكورة بيطلع لاعب كورة" .. "بالعافية"!!

يمكنك التواصل مع الكاتب عبر: فيس بوك من هنا .. أو تويتر من هنا